أبي منصور الماتريدي

184

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم إن الزوجين يحكمان عن أنفسهما برضاع ولدهما لذلك يحتج « 1 » إلى نظير غيرهما ، ولا إلى رأى آخر ، لما لا يجوز أن يعدم شفقتهما جميعا عن ولدهما . وأما إذا كان الحكم لغيرهما أو على غيرهما فلا بد من أن يحكم غيره ، دليله : قوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] ، وكقوله : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها [ النساء : 35 ] ، فهذا الحكم على غيرهما ؛ ولذلك احتيج إلى غيرهما ؛ وذلك الزوجان يحكمان على أنفسهما وينظران لولدهما ؛ لذلك افترقا . واللّه أعلم . و ( الجناح ) و ( الحرج ) واحد : وهو الضيق ، ومعناه : أي لا ضيق ولا تبعة عليهما ، ولا إثم إذا أرادا فطامه بدون الحولين . وقوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ . فيه دلالة جواز الرضاع بعد الحولين وحرمته ؛ لأنه ذكر في قوله : فَإِنْ أَرادا فِصالًا بتراضيهما بدون الحولين . [ ثم قوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ يصير استرضاعا بعد الحولين ] « 2 » إذ ذكر الرضاع في الحولين بقوله : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ، وذكر الفصال بدون الحولين بقوله : فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فحصل قوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ بعد الحولين . وهذا يدل لقول أبي حنيفة ، رضى اللّه تعالى عنه ، ويقوى مذهبه . ويحتمل : أن تكون الآية في جواز استرضاع غير الأمهات إذا أبت الأم رضاعه ؛ وهو كقوله : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [ الطلاق : 6 ] . وقوله تعالى : إِذا سَلَّمْتُمْ ، يعنى إذا سلمتم الأمر لله تعالى ، ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، أي قبلتم ، ليس هو على الإيتاء ، ولكن على القبول ، دليل ذلك قوله تعالى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التوبة : 5 ] [ ليس هو الإيتاء نفسه ، ولكنه على القبول كأنه قال : فإن تابوا وقبلوا إقامة الصلاة وعهدوا إيتاء الزكاة فخلوا سبيلهم ، ] « 3 » فعلى ذلك الأول . و آتَيْتُمْ أي قبلتم إيتاء ما عهدوا وهو الأجر . وقد يكون ما آتَيْتُمْ ، أي : عقدتم عقد الإيتاء ؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والعطية عقدتم

--> ( 1 ) في أ : يجتمع . ( 2 ) سقط في ط . ( 3 ) سقط في ط .